كيف أعاد برشلونة رسم خريطة الاستثمار في مواهبه الشابة؟

في السنوات الأخيرة، لم تعد أكاديمية “لا ماسيا” مجرد مصنع لإنتاج النجوم الذين يدعمون الفريق الأول لبرشلونة، بل تحولت إلى ركيزة اقتصادية مهمة تدر على النادي ملايين اليوروهات، في ظل التحديات المالية التي مر بها العملاق الكتالوني. ومع كل فترة انتقالات جديدة، يثبت برشلونة أن الاستثمار في تطوير المواهب الشابة لم يعد خيارًا فنيًا فقط، بل استراتيجية مالية مدروسة تساهم في تحقيق التوازن داخل خزينة النادي كورة اونلاين.

ومؤخرًا، نجح برشلونة في تجاوز حاجز 50 مليون يورو من عوائد بيع لاعبي الأكاديمية منذ صيف عام 2024، وهو رقم يعكس بوضوح التغيير الجذري في سياسة النادي تجاه لاعبي لا ماسيا، حيث لم يعد يسمح برحيلهم بالمجان، بل أصبح يحرص على ضمان تحقيق عائد مادي مناسب في حال تعذر إدماجهم ضمن مشروع الفريق الأول.

تحول استراتيجي في فكر الإدارة

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة طبيعية للضغوط الاقتصادية التي عانى منها برشلونة في السنوات الماضية، والتي أجبرته على إعادة النظر في أسلوب إدارة أصوله البشرية. ففي السابق، اعتاد النادي على التفريط في بعض المواهب دون تحقيق مكاسب مالية كبيرة، إما بسبب انتهاء العقود أو ضعف فرص المشاركة. أما الآن، فقد أصبحت كل موهبة شابة تمثل أصلًا استثماريًا يجب التعامل معه بحسابات دقيقة koora live.

الإدارة الحالية أدركت أن أكاديمية لا ماسيا لا يجب أن تكون فقط بوابة لتصعيد اللاعبين للفريق الأول، بل أيضًا مصدر دخل مستدام. لذلك، باتت عملية تجديد عقود اللاعبين الشبان تتم بذكاء أكبر، مع وضع بنود تضمن للنادي تحقيق أقصى استفادة ممكنة في حال انتقالهم إلى أندية أخرى.

صفقة “درو” تؤكد نجاح السياسة الجديدة

أحدث الأمثلة على نجاح هذه الاستراتيجية تمثل في بيع عقد اللاعب بيدرو فيرنانديز، المعروف بـ“درو”، إلى باريس سان جيرمان الفرنسي. الصفقة أنعشت خزينة برشلونة بمبلغ بلغ 8.2 مليون يورو، لتؤكد أن السوق الأوروبية أصبحت تنظر إلى خريجي لا ماسيا باعتبارهم مشاريع نجوم مستقبلية تستحق الاستثمار.

هذه الصفقة لم تكن مجرد انتقال لاعب شاب إلى نادٍ كبير، بل جاءت لتجسد ثمار العمل طويل المدى داخل الأكاديمية، حيث نجح برشلونة في تسويق موهبته بالشكل الذي يعكس قيمتها الفنية، مع ضمان تحقيق عائد اقتصادي مهم.

قائمة الصفقات تعكس حجم المكاسب

ولم تكن صفقة “درو” الحالة الوحيدة التي استفاد منها برشلونة ماليًا، إذ أبرم النادي عدة صفقات أخرى أسهمت في تجاوز إجمالي العائدات حاجز 53 مليون يورو. من بين هذه الصفقات، انتقال أليكس فالي إلى نادي كومو الإيطالي مقابل 6 ملايين يورو، في خطوة تؤكد اهتمام الأندية الأوروبية بالمواهب الكتالونية الشابة.

كما حصل برشلونة على 4.5 مليون يورو من بيع أوناي هيرنانديز إلى نادي الاتحاد السعودي، في صفقة تعكس اتساع دائرة الاهتمام بلاعبي الأكاديمية لتشمل الأسواق غير الأوروبية، التي أصبحت تبحث عن لاعبين شبان يمتلكون خلفية تكتيكية قوية وتكوينًا كرويًا مميزًا.

وشهدت الفترة ذاتها انتقال يان فيرجيلي إلى ريال مايوركا مقابل 3.5 مليون يورو، بالإضافة إلى رحيل نوح درويش إلى شتوتجارت الألماني مقابل مليون يورو، وهو ما يعكس قدرة النادي على إيجاد فرص مناسبة للاعبيه في دوريات مختلفة، بما يضمن لهم التطور المهني، ويمنح برشلونة عائدًا ماليًا مهمًا.

عوائد إضافية من بنود الإعارة ونسب البيع

ولم تقتصر مداخيل برشلونة على صفقات البيع المباشر فقط، بل امتدت لتشمل بنود الإعارة ونسب إعادة البيع، وهي آلية بات النادي يعتمد عليها بشكل متزايد لضمان الاستفادة المستقبلية من تطور لاعبيه خارج أسوار “كامب نو”.

فقد حصل برشلونة على 1.2 مليون يورو نظير انتقال سيرجي دومينجيز إلى دينامو زغرب الكرواتي، إلى جانب 3 ملايين يورو من إعارات ونسب بيع عقد إستانيس بيدرولا. وتبرز هذه الأرقام مدى ذكاء الإدارة في صياغة العقود، بحيث تظل مرتبطة بمستقبل اللاعب حتى بعد رحيله.

ومن أبرز الصفقات أيضًا، انتقال مارك جويو إلى تشيلسي الإنجليزي بعد تفعيل الشرط الجزائي في عقده، ما منح برشلونة 6 ملايين يورو دفعة واحدة، بينما جنى النادي 9 ملايين يورو من بيع شادي رياض إلى كريستال بالاس، في واحدة من أبرز الصفقات التي تعكس نجاح الأكاديمية في تخريج مدافعين يتمتعون بمواصفات عالية.

أبعاد فنية واقتصادية متوازنة

ورغم الطابع المالي الواضح لهذه الصفقات، إلا أن برشلونة يحرص على تحقيق التوازن بين الجانب الاقتصادي والرؤية الفنية للفريق الأول. فالنادي لا يفرط في أي موهبة يعتقد أنها قادرة على تقديم إضافة حقيقية مستقبلًا، بل يسعى لمنح الفرص تدريجيًا لمن يثبت جدارته، مع الاحتفاظ بحقوقه في اللاعبين الذين قد لا يجدون مساحة كافية للمشاركة.

هذا التوازن ساعد برشلونة على تجنب الانتقادات التي قد تطال الأندية الكبرى عند بيع لاعبيها الشبان، إذ يحرص على أن تتم الصفقات في إطار يخدم مصلحة جميع الأطراف: اللاعب، والنادي، والفريق المستقبلِي.

لا ماسيا… هوية مستمرة ومورد اقتصادي

ما يحدث حاليًا يؤكد أن أكاديمية لا ماسيا لا تزال عنصرًا أساسيًا في هوية برشلونة، سواء من الناحية الفنية أو الاقتصادية. فالنادي الذي اشتهر بتخريج أساطير اللعبة، بات اليوم يوظف هذا الإرث في بناء نموذج مالي مستدام، يخفف من حدة الأزمات الاقتصادية، ويمنحه مرونة أكبر في سوق الانتقالات.

وفي ظل استمرار الطلب العالمي على المواهب الشابة، يبدو أن برشلونة يسير في الاتجاه الصحيح لتعزيز مكانته كنادٍ يجمع بين الأصالة والحداثة؛ أصالة تعتمد على تكوين اللاعبين بأسلوب لعب فريد، وحداثة تستند إلى إدارة اقتصادية واعية تدرك قيمة كل موهبة تخرج من بوابة لا ماسيا.

وبينما تتواصل رحلة النادي في إعادة بناء نفسه على أسس أكثر صلابة، تبقى الأكاديمية حجر الأساس في هذا المشروع، ليس فقط كرافد للمواهب، بل كأحد أهم مصادر القوة المالية التي تمنح برشلونة القدرة على المنافسة، داخل الملعب وخارجه.

مقالات ذات صلة